سيد محمد طنطاوي
144
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ما يرسل إلى الغير من كلام أو كتاب . والمراد بها هنا : تبليغ ما أوحاه اللَّه - تعالى - إلى نبيه للناس . قال الآلوسي ما ملخصه وقوله : * ( إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّه . . . ) * استثناء من مفعول لا أملك . . . وما بينهما اعتراض . . . فإن كان المعنى : لا أملك أن أضركم ولا أن أنفعكم ، كان استثناء متصلا ، كأنه قيل : لا أملك شيئا إلا بلاغا ، وإن كان المعنى : لا أملك أن أقسركم على الغي والرشد ، كان منقطعا ، أو من باب : لا عيب فيهم غير أن سيوفنا . . . أي : أنه من أسلوب تأكيد الشيء بما يشبه ضده ، وقوله * ( ورِسالاتِه ) * عطف على قوله * ( بَلاغاً ) * وقوله : * ( مِنَ اللَّه ) * متعلق بمحذوف وقع صفه له . أي : بلاغا كائنا من اللَّه . . . « 1 » . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة من يخالف أمره فقال : * ( ومَنْ يَعْصِ اللَّه ورَسُولَه ) * فيما أمرا به ، أو نهيا عنه . * ( فَإِنَّ لَه ) * أي : لهذا العاصي * ( نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) * أي : فحكمه أن له نار جهنم ، وجمع - سبحانه - خالدين باعتبار معنى « من » ، كما أن الإفراد في قوله * ( فَإِنَّ لَه ) * باعتبار لفظها . وقوله : « أبدا » مؤكد لمعنى الخلود . أي : خالدين فيها خلودا أبديا لا نهاية له . وقوله - سبحانه - : * ( حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وأَقَلُّ عَدَداً ) * تهديد ووعيد للكافرين بسبب استهزائهم بالمؤمنين ، فقد حكى القرآن عن الكفار أنهم قالوا : نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ، وقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وأَوْلاداً وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ وقالوا : مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . و * ( حَتَّى ) * هنا حرف ابتداء . وهي متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام ، وهو سخرية الكافرين من المؤمنين . و * ( إِذا ) * اسم زمان للمستقبل مضمن معنى الشرط ، وهي في محل نصب بجوابه الذي هو قوله * ( فَسَيَعْلَمُونَ ) * . والمعنى : أن هؤلاء الكفار لا يزالون على ما هم عليه من غرور وعناد وجحود . . . حتى إذا رأوا ما يوعدون من العذاب في الدنيا والآخرة * ( فَسَيَعْلَمُونَ ) * حينئذ من هو أضعف جندا وأقل عددا ، أهم المؤمنون - كما يزعم هؤلاء الكافرون - ؟ أم أن الأمر سيكون على العكس ؟ لا شك أن الأمر سيكون على العكس ، وهو أن الكافرين في هذا اليوم سيكونون في غاية الضعف والذلة والهوان .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 29 ص 94 .